مركز مناصرة معتقلي الإمارات

قانون الجرائم الإلكترونية الإماراتي .. حرية تعبير سقفها السجن

الساعة : 02:49
8 فبراير 2022
English
Available In

مقدمة

كانت الإمارات من أوائل الدول العربية التي أصدرت قانوناً خاصاً بجرائم تقنية المعلومات عام 2006، لكنه لاحقا خضع لعدد كبير من التعديلات، حيث تم استبداله بالقانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ثم تم تعديله في 2016 و2018.

ومؤخراً أعلنت السلطات عن إقرار مرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية ليحل محل القانون الاتحادي السابق رقم 5 لعام 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقد دخل القانون الجديد حيز التنفيذ في 2 يناير الماضي.

وكما كان متوقعاً، فقد جاء بالمزيد من القيود على حرية التعبير في الإمارات، ولم يعالج إشكاليات القوانين السابقة، بل حافظ على تجريم الأفعال المحمية بموجب القانون الدولي، واستحدث جرائم جديدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة.

في هذه الدراسة التي أعدها "مركز مناصرة معتقلي الإمارات"، نسلط الضوء على دور قانون الجرائم الإلكترونية الجديد والقوانين السابقة في تقييد حرية الرأي والتعبير في البلاد، وتناقضها الواضح مع المعايير الدولية لحرية التعبير.

فلو طبقنا المعايير العالمية لحرية الرأي والتعبير على قانون الجرائم الإلكترونية في الإمارات، سنجد أن معظم أحكام هذه القوانين لا تتوافق مع القيود المشروعة على حرية التعبير، بل تتعداها إلى إعاقة الحوار وكبح حرية التعبير وتقييد الحيز المدني.

تؤكد هذه الدراسة أن إقرار قوانين الجرائم الإلكترونية في الإمارات لم يأتِ استجابة لمشكلة مجتمعية نتجت عن انتشار الإنترنت وما رافقه من انتشار للجرائم الإلكترونية، بل جاء وفق رغبة من النخب الحاكمة بهدف السيطرة على وسائل الإعلام الجديدة وتقييد الحريات.

نبذة تاريخية

كانت الإمارات من أوائل الدول العربية استجابة للتحديات التي فرضها التطور التكنولجي الهائل الذي ترافق مع ظهور الإنترنت، وقد كانت الأولى التي تقر قانوناً منفصلاً لمعالجة الجرائم الإلكترونية، ففي عام 2006 تم إقرار القانون الاتحادي رقم (2) بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

الهدف من هذا القانون بشكل أساسي مكافحة بعض الجرائم المنتشرة على الإنترنت مثل سرقة البيانات واختراق الشبكات والترويج للمخدرات والتشهير، كما أن عقوبات السجن والغرامات المالية كانت بسيطة مقارنة بالقوانين اللاحقة، فالغرامات المالية كانت لا تتجاوز 50 ألف درهم وأقصى عقوبات السجن كانت لا تتجاوز 7 أعوام، وقد بلغت عدد مواده 29 مادة فقط.

في عام 2012، حصل تحول جذري في مقاربة السلطات لقانون الجرائم الإلكترونية، حيث ألغت القانون الصادر عام 2006، واستبدلته بالقانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

وقد بدا بشكل واضح أن الهدف من القانون الجديد لم يكن مكافحة الجرائم الإلكترونية بل مكافحة حرية التعبير، حيث تمت مضاعفة عدد مواد القانون لتصبح 51 بدلاً من 29، وأضيف عدد كبير من القيود و المصطلحات الغامضة والفضفاضة التي تجرم حرية التعبير.

وقد انتقدت منظمات دولية مرارًا هذا القانون، إذ وصفته منظمة ”هيومن رايتس ووتش“، بأنه أداة عملية لإغلاق المنفذ الوحيد الباقي في الإمارات للتعبير عن الرأي بحرية، وأكدت أن مواد القانون الفضفاضة ومبهمة الصياغة توفر السند القانوني لملاحقة من يستخدمون تقنية المعلومات أمام القضاء وسجنهم.

كما كشفت دراسة أصدرتها مؤسسة “فريدريش ناومان من أجل الحرية” عن قوانين الجرائم الإلكترونية في الدول العربية، أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الإماراتي لسنة 2012 وتعديلاته هو الأكثر تشدداً بين القوانين العربية، ويتوسع في معاقبة المضمون بما يحد من حرية التعبير، ِ ويفرض عقوبات غير متناسبة على النشر عبر الانترنت، مشيرة إلى أن القانون الإماراتي ينفرد بتجريم أفعال لم ترد في أي من القوانين العربية.

وقد احتوى القانون الجديد على عقوبات قاسية تصل إلى السجن مدى الحياة وغرامات مالية ضخمة حتى مليون درهم (272 ألف دولار) إضافة إلى كثرة القيود التي تجرم حرية التعبير، بل إن القانون احتوى على جرائم فريدة غير موجودة في أي قانون بالعالم.

ونظراً لتشدد العقوبات والغرامات العالية، فقد أدى هذا القانون إلى إشاعة حالة غير مسبوقة من الخوف داخل الإمارات، وبدأ المواطنون بفرض رقابة ذاتية كبيرة على أنفسهم خوفاً من خرقه، خصوصاً وأن موادخ اُستخدمت لإدانة عدد من الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان داخل الإمارات.

في 2016 و2018، قامت السلطات بإجراء تعديلات طفيفة على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، لكنها لم تؤثر بشكل كبير على جوهر قانون 2012 ولم تعالج إشكالياته، حيث بقي القانون مهدِداً واضحاً لحرية التعبير.

وفي نهاية العام الماضي، أعلنت السلطات عزمها إجراء تحديثات جديدة في التشريعات الإمارتية بغية إصلاحها، لتشمل إلغاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لـ2012، وتغيير اسمه إلى قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية.

وللأسف، فإن القانون الجديد كان أسوأ من سابقه، حيث احتفظ بجميع المواد التي تجرم حرية التعبير، وإضافة قيود جديدة لم تكن موجود في القانون السابق على غرار المادة 52 التي تحمل عنوان "نشر الشائعات والأخبار الزائفة"، وهي جريمة جديدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة، وقد تم رفع عدد مواد القانون إلى 74 بدلاً من 51، كما أن القانون الجديد شدد العقوبات ورفع الغرامات لتصل إلى 10 ملايين درهم (2.723.000 دولار أمريكي).

تعريفات غامضة وفضفاضة

استخدم القانون الجديد الذي تم إقراره عدداً كبيراً من التعريفات الغامضة والمصطلحات الفضفاضة التي لا تفي بمعايير وضوح القانون وتفتقر إلى اليقين ويستحيل التنبؤ بمعاييرها الدقيقة، حيث لا يتم صياغة هذه المصطلحات بدقة كافية تجعل الأفراد قادرين على تنظيم سلوكهم ومعرفة ما هو مسموح به أو محظور.

على سبيل المثال، بموجب المادة 1 من القانون الجديد ، يُعرَّف "المحتوى غير القانوني" بأنه المحتوى الذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى "الإضرار بأمن الدولة أو بسيادتها أو أيّاً من مصالحها [...] أو انخفاض ثقة العامة في [...] سلطات الدولة أو أي من مؤسساتها".

والحقيقة أن هذا التعريف يحتاج إلى مجموعة آخرى من التعريفات، فماذا يعني مصطلح "انخفاض ثقة العامة"؟ وما هوالمقصود تحديداً بمصطلح "الإضرار بأمن الدولة"؟ فكلمة أمن الدولة كلمة واسعة تحتمل طيفاً كبيراً من التفسيرات والمعاني، واستخدام مثل هذه الكلمات الفضفاضة يعطي السلطات صلاحية حظر جميع أنواع الخطاب عبر الإنترنت التي قد تنتقد السلطات أو حكام الإمارات.

تفرض المادة 53 من القانون غرامة كبيرة تتراوح بين 300.000 و10.000.000 درهم (حوالي 81.678 دولارًا أمريكيًا إلى 2.723.000 دولار أمريكي) على أي فرد يستخدم الإنترنت أو حسابًا إلكترونيًا لتخزين "محتوى غير قانوني" أو مشاركته.

ومن الأمور التي يمكن ملاحظتها أن القانون كان يستخدم نفس الكلمات لتعريف بعض المصطلحات أو يستخدم كلمة مرادفة لها دون ضبط المعنى أو تحديد المقصود بشكل واضح، فمثلاً يعرف القانون البيانات الزائفة بأنها البيانات الكاذبة أو المضللة، هذا لا يمكن اعتباره تعريفاً بأي حال من الأحوال، وليس سوى كلمة مرادفة، وعلى هذا المنوال جاءت معظم التعريفات غامضة و لا تحتوي أي معانٍ أو تفسيرات واضحة، ولو تم إلغاؤها  كلياً من القانون فلن تشكل أي فرق واضح.

تجريم حرية التعبير

يضم القانون الجديد العشرات من المواد التي تحظر حرية التعبير بشكل صريح، وتنتهك المعايير الدولية، المادة 22 من القانون على سبيل المثال، تفرض عقوبة بالسجن على استخدام الإنترنت لمشاركة أي منظمة أو مؤسسة مستندات أو تقارير أو بيانات من شأنها "الإضرار بمصالح الدولة أو أجهزتها الحكومية أو الإساءة إلى سمعتها أو هيبتها أو مكانتها".

 وبالإضافة إلى ذلك، فإن المادة 43 تجرم وتعاقب بالسجن على السب والقذف، والتي تعتبر بموجب نفس المادة، ظرفا مشدداً للجريمة عند توجيهها ضد موظف عام، ومع ذلك، فإن المادتين 22 و43 لا تحددان الحد الأقصى أو الأدنى لعقوبات السجن المنسوبة لمثل هذه الأفعال.

وحتى لو قمنا بغض الطرف عن المصطلحات الفضفاضة والغامضة، فإن غياب عقوبة قصوى في هذه المواد يمكن السلطات فعليًا من فرض عقوبات غير متناسبة على الأفعال المحمية بموجب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يذكر أن المادة 22، المدرجة أصلاً في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2012، استخدم  من قبل السلطات القضائية للحكم على الحقوقي أحمد منصور بالسجن 10 سنوات، ولا يزال محتجزًا بشكل تعسفي حتى اليوم.

وتجرم المادة 25 من قانون 2021 "السخرية" أو "الإضرار بسمعة أو هيبة أو مكانة الدولة أو إحدى سلطاتها أو مؤسساتها أو أي من قادتها المؤسسين أو علم الدولة أو عملتها"، كما تعاقب المادة 28 استخدام الإنترنت لنشر المعلومات أو البيانات التي "تتضمن الإساءة إلى دولة أجنبية".

وهذه المواد جميعاً، تم استخدامها في السابق من السلطات ضد المدافعين الإماراتيين عن حقوق الإنسان والنقاد السلميين والمعارضين السياسيين، وهي مواد تجرم حرية التعبير وتنتهك حق الأفراد في انتقاد السلطات.

كذلك، فإن القانون الجديد احتوى على مواد تقيد بوضوح عمل الصحفيين وتتحكم في وسائل الإعلام، على سبيل المثال، تحظر المادة 19 نشر ومشاركة أي محتوى أو بيانات أو معلومات "لا تتوافق مع معايير المحتوى الإعلامي الصادر من الجهات المعنية"، وهذه المادة تعني ببساطة أن نشر أي معلومات لا تتوافق مع رغبة السلطات يشكل جريمة يعاقب عليها القانون.

تجريم "الأخبار الكاذبة"

القانون الجديد قام بإضافة قيود وجرائم جديدة لم تكن موجودة في القوانين السابقة، مثل المادة 52، التي تحمل عنوان "نشر الشائعات والأخبار الزائفة".

تفرض هذه المادة عقوبة بالسجن لعام واحد كحد أقصى، على استخدام الإنترنت أو أي جهاز إلكتروني لنشر "إشاعات كاذبة" تتعارض مع "ما تم الإعلان عنه رسميًا" من قبل الدولة.

وهذا يعني ببساطة أن نشر أي معلومة مناقضة للمعلومات التي تنشرها الحكومة، يعد إشاعة كاذبة يعاقب صاحبها، أي أن الرأي الآخر ممنوع تماماً، والمعلومات التي تنشرها الدولة هي الصحيحة فقط، ونشر عكسها يعتبر جريمة.

كما تجرم نفس المادة عدداً كبيراً من الأفعال، مثل "بث أي دعايات مثيرة من شأنها تأليب الرأي العام أو إثارته أو تكدير الأمن العام [...] أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة أو الاقتصاد الوطني أو بالنظام العام أو بالصحة العامة". أيضاً، يتم زيادة عقوبة السجن إلى سنتين إذا كان أي من الأفعال الموجهة ضد "إحدى سلطات الدولة أو مؤسساتها أو إذا ارتكبت بزمن الأوبئة والأزمات والطوارىء أو الكوارث".

إن تجريم الأفعال الغامضة وغير الدقيقة مثل " تأليب الرأي العام" أو" تكدير الأمن العام"، والتي قد تخضع لتفسير واسع من قبل القاضي، لا يفي بمعايير الوضوح القانوني والقدرة على التنبؤ، وبالتالي يمكن استخدام مثل هذه المصطلحات الفضفاضة لاستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والمبلغين عن المخالفات والصحفيين أو النشطاء الذين يسعون لنشر معلومات قد لا تتماشى مع المصالح السياسية للدولة أو حكامها، وهو ما يعني فعلياً تقليص حرية التعبير والتحكم بوسائل الإعلام.

منع المظاهرات وحق التجمع السلمي

على غرار قانون عام 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، يجرم قانون 2021 الجديد الأفعال المشروعة المحمية بموجب الحق في حرية التجمع السلمي.

المادة 26 على سبيل المثال، تجرم استخدام الإنترنت "للتخطيط أو التنظيم أو الترويج أو الدعوة لمظاهرات أو مسيرات" دون الحصول على موافقة مسبقة من السلطات المختصة، وفي نفس المادة، يفرض القانون غرامة تتراوح من 200.000 إلى 1.000.000 درهم (حوالي 54.450 دولارًا أمريكيًا إلى 272.260 دولارًا أمريكيًا) على مثل هذه الأفعال، بالإضافة إلى عقوبة السجن، دون وضع الحد الأقصى لعقوبات السجن المنسوبة لمثل هذه الأفعال.

 هنا، نذكر أن كليمان نيالتسوسي فول، المقرر الأممي المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، قال إن حرية التجمع السلمي "حق وليس امتيازًا، وبالتالي فإن ممارستها لا ينبغي أن يخضع لترخيص مسبق من السلطات" كما يؤكد بالإضافة إلى ذلك "في حالة الإخفاق في إخطار [السلطات] بشكل صحيح، يجب ألا يتعرض المنظمون أو القادة المجتمعيون أو السياسيون لعقوبات جنائية أو إدارية تؤدي إلى غرامات أو سجن".

على هذا النحو، فإن تنظيم تجمع دون الحصول على موافقة من السلطات يجب من باب أولى، ألا يؤدي إلى أي عقوبات جزائية أو غرامات.

ضحايا قانون الجرائم الإلكترونية

تستخدم السلطات الإماراتية ما يسمى بقانون الجرائم الإلكترونية والعقوبات القاسية الواردة فيه كسلاح لقمع الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وقد تم استخدامه بكثرة في الآوانة الأخيرة لقمع المعارضين السياسيين، وقد وقَع العشرات من الناشطين الإماراتيين والعرب ضحية للسجن التعسفي بسبب هذا القانون.

ولعل أحمد منصور هو أبرز من قامت السلطات باستخدام هذا القانون ضده، إذ أدين في أيار/مايو 2018 بموجب المادة 22 بتهمة "نشر معلومات كاذبة تضر بالوحدة الوطنية وبسمعة البلد" بسبب تغريدات على موقع تويتر، وقد حكم القضاء عليه بالسجن لـ10 سنوات، وغرامة قدرها مليون درهم (272 ألف دولار أمريكي).

إضافة لذلك، استخدمت السلطات قانون الجرائم الإلكترونية ضد الناشطة أمينة العبدولي، بسبب تغريدات متعاطفة مع الثورة السورية، حيث حكم القضاء الإماراتي ضدها في 31 أكتوبر 2016، بالسجن 5 سنوات وغرامة قدرها 500 ألف درهم (136 ألف دولار) ومصادرة أجهزتها الإلكترونية وغلق بريدها الإلكتروني، وذلك بتهمة "التحريض على الكراهية ضد الدولة والإخلال بالنظام العام، وتقويض سمعة مؤسسات الدولة ونشر معلومات كاذبة تعرض علاقات الدولة مع حلفائها للخطر"، بموجب قانون الجرائم الإلكترونية .

ثم قامت السلطات باستخدام هذا القانون ضدها مرة أخرى وهي داخل السجن، وحكمت عليها وعلى زميلتها المعتقلة مريم البلوشي، بالسجن 3 سنوات إضافية، بتهمة "نشر معلومات كاذبة تخل بالنظام العام"، بسبب مناشدتهما للمنظمات الحقوقية من أجل مساعدتهم عن طريق تسجيلات صوتية.

كما سبق أن حكم القضاء الإماراتي على الصحفي الأردني تيسير النجار عام 2015 بالحبس 3 سنوات وغرامة نصف مليون درهم إماراتي (حوالي 135 ألف دولار)، على خلفية منشور له في ”فيسبوك“ انتقد موقف الإمارات من الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، وهو ما عدته أبوظبي إهانة لرموز الدولة وفق المادة 29 من قانون 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

وفي 2015 حكم القضاء الإماراتي أيضاً بالسجن على 4 أردنيين وهم بهاء مطر، ماهر أبو الشوارب، والشقيقان عبدالله وياسر أبوبكر، وتغريم كل واحد منهم مليون درهم بتهمة "نشر أخبار تعرض مصالح الدولة للخطر" بسبب تدوالهم خبراً عن حرب اليمن على مجموعة واتساب خاصة بهم.

وحكمت محكمة إماراتية أيضاً على الناشط الأردني أحمد العتوم في أكتوبر 2020 بالسجن لـ10 سنوات بتهمة القيام بـ"عمل ضد دولة أجنبية من شأنه الإساءة للعلاقات السياسية أو تعريض مواطني الدولة أو موظفيها أو أموالها أو مصالحها لخطر أعمال انتقامية"، بسبب منشورات على "فيسبوك" انتقد فيها حكومة بلاده.

من الحالات الأخرى، ما كشفته صحيفة "الإمارات اليوم" الحكومية، في 27 مارس 2019، بشأن الحكم على المواطن "ح.ع.ع.ط"، بالسجن 10 سنوات إثر إدانته بإنشاء وتأسيس حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر)، ونشر مواد إعلامية من مقالات و"كليبات" فيديو ومعلومات كاذبة ومغرضة، لا أساس لها من الصحة، تسيء لمجتمع الإمارات، وتثير البلبلة والقلاقل والنعرات الطائفية، وتضرب اللحمة الاجتماعية والوحدة الوطنية، وقد قدمت مؤسسة “فريدريش ناومان من أجل الحرية” هذه الحالة كمثال على العقوبات القاسية لقانون الجرائم الإلكترونية الإماراتي.

ولعل أحدث ضحايا قانون الجرائم الإلكترونية هو الناشط السوري عبدالرحمن النحاس الذي حكم عليه القضاء الإماراتي في سبتمبر 2021 بالسجن لـ10 سنوات بتهمة "الإساءة لهيبة الدولة"، بسبب رسالة إلكترونية بعثها للسفارة الفرنسية طالباً اللجوء لعدم قدرته على العمل من الإمارات.

وهذه الحالات ليست سوى أمثلة بسيطة على إساءة استخدام السلطات الإماراتية لقانون الجرائم الإلكترونية من أجل قمع حرية التعبير وضد الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وهناك العشرات من الأمثلة.

النتائج

  1. يتبين مما سبق أن هناك نصوصاً كثيرة في قانون الجرائم الإلكترونية الإماراتي المشار إليها في الدراسة والتي لا تتوافق مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
  2. يميل التشريع الإماراتي إلى تغليظ العقوبات، الأمر الذي يتعدى مبدأ تناسبية العقاب مع خطورة الجريمة المقترفة، وقد تصل بعض العقوبات إلى مرحلة الانتقام من الجاني وليس محاولة إصلاحه.
  3. هناك عدم انضباط تشريعي من ناحية ”مطاطية“ أفعال التجريم في القانون الإماراتي بشكل قد يتيح التوسع في نصوص التجريم والعقاب ويتعدى ما رآه المشرع عند التطبيق العملي.
  4. استخدمت السلطات الإماراتية قانون الجرائم الإلكترونية بشكل واضح للسيطرة على الإعلام الإلكتروني ومعاقبة الناشطين الحقوقيين.

التوصيات

في ضوء ما سبق نوصى بما يلي:

  1. إلغاء قانون الجرائم الإلكترونية الحالي بشكل كامل وتعديله ليتوافق مع المعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير.
  2. أن تكون القيود الواردة فيه على حرية النشر الإلكتروني متوافقة مع المعايير الدولية.
  3. عدم التوسع في فرض العقوبات السالبة للحرية أو حجب المواقع على الإنترنت إلا في أشد الجرائم خطورة على أن تتناسب العقوبة مع الفعل المخالف للقانون.
  4. إن فرض غرامات عالية على المخالفين ذات تأثير سلبي واضحEffect Chilling  على حرية الرأي والتعبير ويتسبب في فرض رقابة ذاتية لدى المواطنين بما يردعهم عن ممارسة حقهم في التعبير نظراً لخوفهم من العقوبات المبالغ بها.
  5. أن تهدف العقوبات إلى الردع العام والردع الخاص وأن لا تكون وسيلة للانتقام من المخالف
  6. عدم فرض عقوبات تهدف لحماية الموظفين العموميين والشخصيات العامة بطريقة تفوق حماية آحاد الناس، وأن تكون المصلحة العامة هي الهدف للعقاب أو البراءة، ويجب على المسؤولين تحمل النقد بدرجة أكبر من المواطنين العاديين.
  7.  الابتعاد عن الكلمات المطاطية في التشريعات العقابية والتي تحتمل أكثر من تفسير وأن تتم صياغة الأفعال غير المشروعة بطريقة واضحة يفهمها عامة الجمهور وليس فقط القضاة والمحامون.
  8.  تقليل الغرامات التي تُدفع للدولة على المخالفين وتعويض المتضررين بطريقة عادلة وأن لا يكون للغرامات والتعويضات أثر سلبي على حرية الحوار العام وأن يكون تعويض الموظفين والشخصيات العامة رمزياً.
  9. يجب أن لا يتمتع كبار المسؤولين بحماية قانونية تفوق الحماية المنصوص عليها لعامة الناس ويجب عدم تحصينهم من نقد أعمالهم.