بعد أن أعلنتها السلطات رسمياً

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بين "مبادئ باريس" و"مبادئ أبوظبي"

الساعة : 03:07
22 ديسيمبر 2021
English
Available In
الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بين

بعد 3 أعوام من الانتظار، أكملت السلطات الإماراتية إنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، حيث أعلنت في 18 ديسمبر الجاري عن أسماء أعضائها.

وقد مرت ولادة الهيئة بمخاض عسير، ففي عام 2019 أعلنت السلطات نيتها إنشاء "هيئة وطنية لحقوق الإنسان"، ولكن بدلاً من إنشاء هيئة وطنية قامت أبوظبي في أكتوبر 2019 بإنشاء "لجنة وطنية" برئاسة الوزير أنور قرقاش، في محاولة للالتفاف على المطالب الدولية بإنشاء مؤسسة وطنية حقوقية.

وبعدما اصطدمت السلطات برفض المجتمع الدولي لهذا الالتفاف، على اعتبار أن هذه "اللجنة" مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، أعلنت أبوظبي أن الهدف منها هو وضع خطة لحقوق الإنسان، والإشراف على تأسيس هيئة وطنية حقوقية، لتبدأ "اللجنة" في يوليو 2020 بعقد أولى اجتماعاتها، وانخرطت في عقد عشرات الاجتماعات التي كان الوزير قرقاش يحرص على الترويج لها، وبعد عام كامل لم تسفر عن شيء، سوى الإعلان عن إطلاق حساب على موقع تويتر.

وفي آواخر شهر أغسطس 2021 بدأت الإمارات باتخاذ خطوات جدية لتأسيس هيئة وطنية لحقوق الإنسان، حيث أعلنت عن إصدار قانون اتحادي بشأن إنشائها، قالت إنه يتوافق مع مبادئ باريس، لكنها لم تنشره حتى الآن في الجريدة الرسمية، و مازال غير متاح على الإنترنت.

وفي 18 ديسمبر الجاري، أكملت أبوظبي عملية إنشاء الهيئة، إذ أعلنت تشكيل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، لتكون المفاجأة بإسناد رئاستها إلى الضابط في الجيش الإماراتي مقصود كروز، وأعضاء معظمهم من ضباط الشرطة أو موظفين في الحكومة.

ما هي الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان؟

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، هي هيئات مستقلة رسمية لها ولاية قانونية مهمتها حماية حقوق الإنسان، ومراقبتها وتعزيزها في بلد ما، ومراقبة الانتهاكات التي ترتكبها الدولة، وقد شجعت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على إنشاء وتطوير مثل هذه المؤسسات.

تتمتع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بصلاحيات محددة وواضحة في ما يتعلق بحقوق الإنسان، تشمل البحث والتوثيق والتدريب والتعليم في قضايا حقوق الإنسان، وتنص التشريعات الدستورية في معظم دول العالم على إنشاء مؤسسات وطنية حقوقية تتمتع بالاستقلالية القانونية والمالية.

وقد وضعت مفوضية الأمم المتحدة معايير لتأسيس المؤسسات الوطنية واعتمادها، تسمى "مبادئ باريس"، وهي مبادئ تحتوي المعايير الدولية الدنيا المطلوبة من المؤسسات الوطنية لتحقيق دورها بفاعلية، مثل وجود ولاية واسعة النطاق، وضمان الاستقلالية، وإدارة شؤونها بذاتها بعيداً عن الحكومة، والتمثيل التعددي للأعضاء والموظفين، ووجود صلاحيات كافية للقيام بالتحقيق، ووجود موارد كافية.

 يوجد اليوم أكثر من 100 مؤسسة من هذا النوع في العالم، صُنف ثلثاها تقريباً، على أنها متوافقة مع معايير الأمم المتحدة المنصوص عليها في مبادئ باريس، إذ يُعدّ الامتثال لهذه المبادئ أساس الاعتماد في الأمم المتحدة والذي تقوم به لجنة فرعية تابعة للجنة التنسيق الدولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

ما هي مبادئ باريس وكيف يتم منح الاعتماد؟

حتى يتم اعتماد هيئة وطنية يجب أن يتوفر فيها 6 معايير على الأقل:

  1. الولاية والاختصاص: تنص مبادئ باريس بأنه يجب أن يكون للمؤسسة الوطنية ولاية واسعة قدر الإمكان تقوم على المعايير الشاملة لحقوق الإنسان منصوص عليها صراحة في أحد النصوص الدستورية أو التشريعية التي تحدد تشكيلها ونطاق اختصاصها.
  2. إدارة مستقلة عن الحكومة.
  3. الاستقلالية.
  4. التكوين والتعددية.
  5. موارد وافية.
  6. صلاحيات كافية للتحقيق.

وقد قامت مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بتأسيس لجنة تسمى "لجنة التنسيق الدولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان"، هدفها التأكد من امتثال الهيئات الوطنية الحقوقية لمعايير باريس، وتمنح هذه المؤسسة 3 مستويات من الاعتماد:

  • المستوى "ألف": عضو له حق التصويت ويمتثل تماماً لمبادئ باريس.
  • المستوى "باء": عضو مراقب، لا يمتثل تماماً لمبادئ باريس ولم يقدم وثائق كافية لإصدار القرار.
  • المستوى "جيم": مؤسسة غير عضو، لا تمتثل لمبادئ باريس (غير معترف بها).

 وفي حال رغبت مؤسسة ما بالحصول على اعتماد من اللجنة يجب أن تقدم بعد سنتين من تأسيسها مجموعة من الوثائق من ضمنها نسخة عن القانون الذي بموجبه تم إنشاء المؤسسة، هيكلة المؤسسة، ونسخة عن تقريرها السنوي، وشرح مفصل عن طريقة امتثالها لمبادئ باريس وما هي الجوانب التي لا تتمثل بها، وأية مقترحات لضمان الامتثال مستقبلاً.

هل تعتبر الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في الإمارات متوافقة مع مبادئ باريس؟

حتى نستطيع معرفة ما إذا كانت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تمتثل لمبادئ باريس، يجب أن نحصل على نسخة من القانون لفهم الولاية الممنوحة لها ومدى استقلاليتها، وهل تتوفر لديها الموارد الكافية والصلاحيات للتحقق ومراقبة حقوق الإنسان في الإمارت.

وللأسف فإن أبوظبي لم تنشر القانون حتى اللحظة، ما يجعل الحكم على جزء كبير من معايير باريس صعباً جداً أو حتى غير ممكن، لكن رغم ذلك فإنه يمكن ببساطة التأكد أن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في الإمارات تنتهك أهم معياريْن لمبادئ باريس، الأول هو الاستقلالية عن الإدارة الحكومية والثاني هو التكوين والتعددية، وذلك من خلال مراجعة أسماء أعضاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الذين أعلنتهم السلطات الإماراتية مؤخراً.

تتكون الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في الإمارات من أمين عام للهيئة سعيد الغفلي، وهو ضابط في قيادة شرطة دبي، تمت إعارته بمرسوم رئاسي للعمل في وظائف حكومية، وهو عضو في عدد من اللجان الحكومية حالياً، كما أنه بالأساس يعمل في وزارة المجلس الوطني الاتحادي.

أما رئيس الهيئة مقصود كروز، فهو ضابط في الجيش الإماراتي، ويعمل عضواً بالفريق الإعلامي لمجلس الوزراء، أي أنه مازال موظفاً في الحكومة.

ولا يختلف الحال كثيراً بالنسبة للأعضاء، فمعظهم ضباط شرطة برتب مختلفة أو موظفون في الحكومة، ولا يوجد بينهم سوى 3 أعضاء من أصل 11، يمكن اعتبارهم من المستقلين، علماً أن الثلاثة يعملون في مؤسسات مستقلة لكنها تابعة للحكومة.

وعلى النقيض مما تنص عليه مبادئ باريس، فلا يوجد أي أعضاء من منظمات غير حكومية، أو ممثلين عن المجتمع المدني أو التيارات الفكرية أو الدينية أو علماء أو أعضاء برلمان، بل إن الهيئة عبارة عن مجموعة من الضباط وموظفي الحكومة، فكيف تكون مستقلة؟

إن الهدف الأساسي من إنشاء هيئة وطنية لحقوق الإنسان، هو مراقبة الانتهاكات الحقوقية لضباط الشرطة والحكومة، وليس توزيع مناصب الهيئة عليهم، وتعيين ضباط الشرطة وموظفي الحكومة في مثل هذه الهيئات يعني ببساطة أنها غير مستقلة، لوجود تعارض مصالح واضح بين عملهم كضباط شرطة وموظفين في الحكومة ومراقبتهم لانتهاكات هذه الأجهزة، فمن غير المنطقي أن تطلب من شخص أن يراقب نفسه.

إن مراجعة طريقة تأسيس الهيئة وهيكلتها يؤكد أن هدف أبوظبي من تأسيسها ليس حماية حقوق الإنسان أو تعزيزها، بل مجرد محاولة جديدة لتبيض صورتها، والتخلص من الضغوط الدولية التي كانت تطالبها بإنشاء هيئة وطنية لحقوق الإنسان.

وتشكيل الهيئة برئاسة ضابط من الجيش ومجموعة من ضباط الشرطة وموظفي الحكومة لا يمكن اعتباره سوى "نكتة الموسم"، فهذا ليس جهازاً أمنياً بل هيئة مستقلة لمراقبة حقوق الإنسان، لكن يبدو أن السلطات الإماراتية لا تستطيع التخلص من نظرتها الأمنية بالتعامل مع الأمور، فأنتجت هيئة تتوافق مع "مبادئ أبوظبي" وليس "مبادئ باريس".